ة
ولعل الهالة الإعلامية التي واكبت الاستشراق – مع ادعائهم المنهجية في البحث , وكأنها شيء جديد على الدرس العربي , ثم قيام بعض المستشرقين بالتدريس في الجامعات العربية , والانضمام إلى المجامع العلمية العربية , وتتلمٌذ بعض الدارسين العرب عليهم في جامعات أوروبا ,
لعل ذلك كله كان له دوره في تشكيل الإطار الفكري , والصيغة المنهجية , والمعطيات المعرفية لجيل من الدارسين , اعتبر الجيل الأول من الباحثين العرب .
ة
ة
فالمحلل للبناء الثقافي لهذه الفترة , باستثناء الأزهر , يلاحظ مشاركة الغرب في إعطاء الملامح لمنهج الثقافة العربية , وتشكيل القادة الفكريين , فبينما سيطر الغرب على كل مقومات الثقافة في بعض البلاد مثل : تونس والجزائر , فغير حتى اللغة القومية إلى لغة البلاد التي احتلتها , نجده حاول في بلاد أخرى – مثل مصر ولبنان – أن يسعى في التسلل إلى مناهج الدرس , وعقول الأساتذة الموجهين , من خلال تلمذتهم على الأصول الغربية للدراسة , وبث النتائج المرادة فيهم , باعتبارهم تلامذة يحتاجون إلى توجيه إلى مناح علمية ومنهجية كانوا يفتقدونها .
ة
ة
ومن ثمة لم يقف أثر هؤلاء الأساتذة عند مجرد عبارات الإعجاب من التلامذة , وهي إحدى وسائل الدعاية التي كانت تثبت أقدام المستشرقين , إنما تعدتها إلى تبني منهج المستشرقين –كما فهمه التلامذة والمعجبين- بل إلى تبني النتائج التي وصلوا إليها في بحوثهم , وهذه الأخيرة تعد من أسوأ الآفات وأخطرها في كيان العرب الفكري ,
ة
لأن تقليد المناهج قد يكون جائزاً , إذا سمح إصطناع الإطار بنوع من الحركة في داخله تتمثل في اختيار موضوعات البحث , والتحرك في استنباط نتائج علمية جديدة بناءً على مقاييس دراسية مشتركة .
ة
أما التقليد في النتائج , فمعناه الموات العلمي , والجفاف الفكري , ومن أسف أن تسمى هذه الطبقة التي أصيبت بهذه الآفة " طبقة التنويريين" !! فيا خداع الأسماء !
ة
ة
ولو شئنا بعض الشرح لهذه المجملات السابقة , فقد شهدت الجامعة المصرية طائفة من المستشرقين يقتعدون كراسي التدريس بها , منهم
* الأستاذ (كارينالوينو) الذي كان أستاذاً للأدب بها , والأستاذ (كراوس) الذي عرف بصهيونيته وانتمائه لعصابة (اشترن) الصهيونية –كما مر- شغل منصب أستاذ كرسي ما سُمي –وما يزال يُسمى- باللغات السامية في الجامعة المصرية من سنة 1936 إلى سنة 1944م.
ة
* وشغل (الأب لامنس) و (جِب) , و (مرجليوث) –وغيرهم- موضع العضوية في المجتمع اللغوي بمصر.
ة
* أما المستشرق (فنسنك) فقد ظل عضواً بالمجمع اللغوي المصري حتى ما بعد سنة 1936م إذ أثار د . حسين الهواري – وهو طبيب مصري- أزمة داخل المجمع , مستنداً إلى الروح العدائي الذي يشيع في دراسات هذا المستشرق عن الإسلام , فاضطر القائمون على المجمع إلى إخراجه منه.
ة
* وهنا ينبغي أن نشير إلى أن فنسنك ليس أسوأ من مرجليوث –الذي حاول تدمير أصول الثقافة العربية والإسلامية في بحثه الذي عنوانه (أصول الشعر العربي) ولا غيره ممن ظلوا أعضاءً بالمجمع .
ة
ة
أما المستشرقون الذين تتلمذت عليهم وفود الطلاب التي كانت تبعث إلى البعثات في أوروبا فمنهم:
* ( أ . ج . أربري) المستشرق الإنجليزي المعروف بالتعصب على الإسلام , وشغل إلى وفاته منصب الأساتذية بجامعة كمبردج , " ومن المؤسف أنه أستاذ لكثير من المصريين الذين تخرجوا في الدراسات الإسلامية واللغوية في انجلترا.
* ومنهم أيضاً (الفريد جيوم) المحاضر النشط في جامعات انجلترا وأمريكا .
ومن ثمة أُضفيت على بحوث المستشرقين , ونتائجهم الصيغة العلمية والأكاديمية , وختمت بخاتم الموافقة من أخطر الدور العلمية والثقافية والسياسية العربية , وفي هذا ما يتيح لها –فوق الرواج والانتشار- عنصر الثقة من مثقفي أمةٍ مقهورة ثقافياً حضارياً , تحاول تحسس مواقع أقدامها في ظلام وأمس .
ة
ة
ولعل من أبرز الأمثلة على تأثر الدارسين العرب بأساتذتهم المستشرقين أحد من تتلمذ عليهم في في كراسي الدراسة.
** وهو الأستاذ الدكتور طه حسين , ولعلنا نختار مثالاً واحداً واضحاً هو مدى ولائه لآراء ونتائج أستاذه (دور كايم) –الذي تعاهده في جامعة (السربون) اتضح هذا الولاء العنيف والتقليد الأعمى في أطروحته للدكتوراة التي تقدم بها إلى جامعة السربون , في العلوم الاجتماعية عن (فلسفة ابن خلدون) التي أشرف عليها دور كايم بنفسه-
ة
فقد كانت الغرب ينسب نشأة علوم الاجتماع الحديثة للأستاذ دور كايم , ويعيد نظريته التي تقوم على إماتة دور الفرد في العملية الاجتماعية , وتقول بالجبر التاريخي , وهو اتجاه اليهودية في علم الاجتماع –يعدها الغرب هي النظرية الصحيحة في هذا الشأن .
ة
ومن ثم اطلع القارئ لدراسة الدكتور طه حسين على مسخ وتشويه لشخصية ابن خلدون وآرائه , فقد أنكر د . طه حسين أن يصح تسمية ابن خلدون (اجتماعياً) وشكك في نشأته ونسبه العربي , وجعل أساس بحثه نظرية (دور كايم) – المؤرخ اليهودي- ولم ينس أن يهاجم أهل المغرب العربي في مقاومتهم للاستعمار الفرنسي .
ة
ة
وقد وقع د. طه حسين في جملة من الأخطاء العلمية التي بينها كثير من الدارسين المشهورين بعد ذلك , ومنهم الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي –أستاذ علم الاجتماع- الذي يقرر أن طه حسين لم يوفق في دراسة معظم النواحي التي عرض لها في الرسالة وقد جمع الأستاذ أنور الجندي بعض هذه المناقشات.
ة
ة
وعموماً فمع الأسف الشديد (ههههه) لم تطل حياة دور كايم ليشهد مناقشة الرسالة ولم يستمتع د . طه حسين برؤية علامة الرضا بادية على وجه أستاذه اليهودي بعد أن شايعه في كل آرائه المادية الماركسية في فهم علم الاجتماع , ولطخ من أجلها وجه عالم فذ من علماء أمتنا العربية هو ابن خلدون .
ة
ة
إلا أن الذي يهمنا هنا هو الفرصة التي أخذتها الصيغة الغربية في التمدد أو التسلل- إلى ضمائر الجيل الأول من المثقفين والدارسين العرب في هذا السرداب المعتم الذي احتوى ثقافة العرب في هذه الفترة .