التكفير وضوابطه
فضيلة الشيخ المحدث / محمد عبد الحكيم القاضي
التكفير وضوابطه
(من كتاباتي الماضية):
===========
(القسم الأول)
باختصار:
التكفير في موضوعنا هذا هو اعتبار الرجل كافرا . أو عدُّه كافرا باعتبارات معينة قد تكون صوابا وقد تكون خطأ ؟
• للإسلام ضوابط في كل شيء من فورع الإسلام الفقهية فكيف بالأصول الاعتقادية فكيف بالفواصل التي تفصل بين الإسلام والكفر وتخرج الرجل من الإسلام؟
• الحكم بالكفر ليس مجرد حكم نظري وإنما يترتب عليه احكام خطيرة مثل التفريق بينه وبين زوجه وجواز قتله او قتاله وعدم موالاته وغير ذلك .
• لذا فقد وقف الإسلام من هذه القضية موقفا حاسما ، وكان السلف الكرام فيها على طريقة في غاية الدقة ولاحظوا ما في الإسلام من تحذير من مغبة التسرع والتساهل فيها . وساروا على منهج حق قويم دقيق .
• ومن هنا كان الخروج عن هذا المنهج مفسدة عظيمة بدات بخروج الخوارج ثم تمددهم بألقاب مختلفة ومذاهب عدة ترجع كلها إلى التكفير وتلتقي مع بعذضها البعض مهما تباعد الزمان والمكان واختلفت الأشخاص والتوجهات.
معنى الكفر واصطلاحه :
أصل الكفر في اللغة الستر والتغطية . قال العلامة اللغوي ابن فارس :
الكاف والفاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على معنىً واحد، وهو السَّتْر والتَّغطية. يقال لمن غطّى دِرعَه بثوبٍ: قد كَفَر دِرعَه. والمُكَفِّر(1): الرّجل المتغطِّي بسلاحه.
(مقاييس اللغة - ج 5 / ص 155)
ومن هنا أطلق على ازرع لأن الزارع يغطي البذرة بالتراب إذا زرعها ، ومنه قوله تعالى : "كمثل غيث أعجب الكفار نباته" قال صاحب اللسان : "والكافر الزرَّاعُ لستره البذر بالتراب والكُفَّارُ الزُّرَّاعُ وتقول العرب للزَّرَّاعِ كافر لأَنه يَكْفُر البَذْر المَبْذورَ بتراب الأَرض المُثارة إِذا أَمَرّ عليها مالَقَهُ ومنه قوله تعالى كمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفارَ نباتُه أَي أَعجب الزُّرَّاْعَ نباته". (لسان العرب - ج 5 / ص 144)
وفي اصطلاح الشرع :
يطلق الكفر على جحد الألوهية او النبة او شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ؟، قال الراغب : "والكافر على الاطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثتها" مفردات القرآن للراغب الأصفهاني - (ج 1 / ص 434)
والعلاقة بين المعنى الغوي والاصطلاحي واضحة وقد اوضحها الليث والأزهري قا ل الليث : " يقال: إنه سُمِّيَ الكافر كافراً لأن الكُفر غطّى قلبه كلَّه" قال الأزهري في تهذيب اللغة : " ومعنى قول الليث: قيل له كافر لأن الكفر غطَّى قلبه، يحتاج إلى بيان يدلُّ عليه، وإيضاحه أن الكفر في اللغة معناه التَّغطية، والكافر ذو كفر أي ذو تغطية لقلبه بكفره كما يقال لللابس السِّلاح: كافر وهو الذي غطاه السلاح". تهذيب اللغة - (ج 3 / ص 364)
إطلاق لفظ الكفر في القرآن الكريم والسنة المباركة :
إذا كان الاصطلاح اللغوي والشرعي للكفر هو الجحد الذي يشبه الستر والتغطية فإنه أطلق في القرآن والسنة على هذا الاصطلاح وكذلك على ما هو قريب منه ومؤد إليه أو ناتج عنه أو له به نوع اتصال .
فمن إطلاقه على أصل معنى الكفر وهو الجحود :
قوله تعالى : {وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (39) سورة البقرة
وقوله : {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} (89) سورة البقرة
وقال : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} (150) سورة النساء
وهذا كثير في القرآن الكيم .
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : "إنَّ لِى أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِى الَّذِى يَمْحُو اللَّهُ بِىَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِى يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَىَّ وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِى لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ" . صحيح مسلم
وقوله : "
لاَ يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ" . صحيح البخارى
وصور هذا الكفر متعددة ، وبواعثه كثيرة ، وقد أجمع السلف على الصر التي تعد من هذا النوع فإذا وجدت صورة قد اجتمع السلف على ظانها من هذا الكفر فهو من كفر الجحود . والذي يسمى الكفر الأكبر وهو الذي ينقل عن ملة الإسلام ، زيلحق به أن يقر الرجل بالشرع الحنيف ثم يرفض الدخول فيه او اتباعه أو التحاكم إلأيه عنادا أو استكبارا ، قال شيخ الإسلام في حكم تارك الصلاة مبينا هذه القاعدة". مجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 97)
والثانى : أن لا يجحد وجوبها لكنه ممتنع من التزام فعلها كبرا أو حسدا أو بغضا لله ورسوله فيقول اعلم أن الله اوجبها على المسلمين والرسول صادق فى تبليغ القرآن ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكبارا أو حسدا للرسول أو عصبية لدينه او بغضا لما جاء به الرسول فهذا أيضا كافر بالاتفاق فان إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحدا للايجاب فان الله تعالى باشره بالخطاب وانما أبى واستكبر وكان من الكافرين وكذلك ابو طالب كان مصدقا للرسول فيما بلغه لكنه ترك اتباعه حمية لدينه وخوفا من عار الانقياد واستكبارا عن ان تعلو أسته رأسه فهذا ينبغي ان يتفطن له
وسيأاتي مزيد من صوره .
ومن إطلاق القرآن والسنة لفظ الكفر على ما له تعلق بهذا المعنى ولكن ليس بالكفر المخرج من الملة ، ولكنه متعلق به بنوع من الشبه أو الاتصال:
قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (40) سورة النمل
قال الطبري: "(وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) يقول: ومن كفر نعمه وإحسانه إليه، وفضله عليه، لنفسه ظلم، وحظَّها بخَس، والله غنيّ عن شكره، لا حاجة به إليه، لا يضرّه كفر من كفر به من خلقه، كريم، ومن كرمه إفضاله على من يكفر نعمه، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه". تفسير الطبري - (ج 19 / ص 469)
وقال تعالى : {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (122) سورة لقمان
قال الطبري : "ومن كفر نعمة الله عليه إلى نفسه أساء؛ لأن الله معاقبه على كفرانه إياه، والله غنيّ عن شكره إياه على نعمه، لا حاجة به إليه، لأن شكره إياه لا يزيد في سلطانه، ولا ينقص كفرانه إياه من ملكه" . تفسير الطبري - (ج 20 / ص 136)
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : "« أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ » . قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ « يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ».
صحيح البخارى
قال الحافظ ابن رجب في فتح الباري : " المراد هاهنا : أنه قد يرد إطلاق الكفر ثم يفسر بكفر غير ناقل عن الملة ، وهذا كما قال ابن عباس في قوله تعالى { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون }قال : ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ؛ إنه ليس بكفر ينقل عن الملة". (فتح الباري لابن رجب ج 1 ص 69)
وقال ابن بطال في شرحه للبخاري :"وشكر نعمة الزوج هو من باب شكر نعمة الله، لأن كل نعمة فضل بها العشير أهله، فهى من نعمة الله أجراها على يديه، ومعنى هذا الباب كالذى قبله: أن المعاصى تنقص الإيمان ولا تخرج إلى الكفر الذى يوجب الخلود فى النار، لأنهم حين سمعوا رسول الله قال: يكفرن - ظنوا أنه كفر بالله، فقالو: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان". (شرح ابن بطال ج 1 ص 71).
وقال ابن حجر في شرحه لحديث يكفرن العشير : "وَفِيهِ إِطْلَاق الْكُفْر عَلَى الذُّنُوب الَّتِي لَا تُخْرِجُ عَنْ الْمِلَّة تَغْلِيظًا عَلَى فَاعِلهَا" (فتح الباري ج 1 ص 476)
ولا شك ان هذا النوع الثاني من إطلاقات الكفر لا يقصد به الكفر الذي ينقل عن الملة ويخرج صاحبه من الإسلام وإنما هو من نوع الوعيد الشديد والنكير الكيد ولذلك اصطلح السلف على تسميته كفرا لا ينقل عن الملة ، أو كفرا دون كفر ، أو كفرا أصغر ، وقد عبر السلف عنه بألفاظ كثيرة منها :
لا ينقل عن الملة :
قال طاوس في قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. (44) ، تفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 120)
وعند الطبري : كفر لا ينقل عن الملة
كفر دون كفر :
وقال عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. تفسير الطبري - (ج 10 / ص 3566)
ليس الكفر الذي يذهبون إليه :
قال ابن عباس في قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه. (تفسير ابن كثير - ج 3 ص 120)
وصححه الحاكم في المستدرك عنه .
وهذه التعبيرات كلها تعبيرات عن الكفر الأصغر الذي يراد به التغليظ وليس الحكم على مرتكب هذا الفعل .
هذا هو فهم السلف :
ومع ذلك ومع وضوح كلام السلف في هذه المسألة إلا ان من بعدهم جاء من يخرجون عن فهمهم ويتنكبون سبيلهم ويضلون في متاهات اهوائهم غير آبهين بالأحاديث الكثيرة التي جاء فيها التحذير من إطلاق الكفر على المسلم بدون بينة ............. (معروفة الأحاديث وشرحها)
وهذا هو ما فهمه العلماء فلم يألوا جهدا في تقرير مذهب السلف وتعريفه وتعريته وتجليته للناس ،
قال أبو عبيد القاسم بن سلام شيخ البخاري رحمهما الله : "وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفرا، ولا شركا، يزيلان الإيمان عن صاحبه، إنما وجوبها أنها من الأخلاق، والسنن التي عليها الكفار والمشركون وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنة، نحوا مما وجدنا في النوعين الأولين" شرح رسالة كتاب الإيمان - (ج 1 / ص 239)
قال ابن أبي العز شارح الطحاوية رحمه الله في عقيدته : "وهنا أمر يجب أن يتفطن له ، وهو : أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة ، وقد يكون معصية : كبيرة أو صغيرة ، ويكون كفرا : إما مجازيا ، وإما كفرا أصغر ، على القولين المذكورين . وذلك بحسب حال الحاكم : فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم [الله] (2) . - فهذا كفر أكبر (3) . وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعلمه في هذه الواقعة ، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ، فهذا عاص ، ويسمى كافرا كفرا مجازيا ، أو كفرا أصغر . وإن جهل حكم الله فيها ، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأ ، فهذا مخطئ ، له أجر على اجتهاده ، وخطؤه مغفور" . (شرح الطحاوية ج 2 ص 261)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله تعالى (إن الشر لظلم عظيم) مبينا الفرق بين الشرك الكبر والأصغر وموقف السلف من ذلك : "وقول النبى صلى الله عليه وسلم انما هو الشرك :
• ان أراد به الشرك الأكبر فمقصوده ان من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة وهو مهتد الى ذلك
• وان كان مراده جنس الشرك فيقال ظلم العبد نفسه كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب فى هذا الظلم بهذا الاعتبار". (مجموع الفتاوى ج 7 ص 82)
فهذه نماذج ثلاث من حرص العلماء على بيان نتاج طريقة السلف في فهم إطلاق لفظ الكفر والشرك في الكتاب والسنة ، وذلك لأن الخوارج والمعتزلة قد غيروا هذا المعنى وافسدوه واتبعوا هواهم في تسمية المؤمن والكافر وكذلك بعض الفرق المرجئة تساهلت في سحب اسم الإيمان على كل أحد دون تمييز ودون فهم للمكفرات من العمال والاعتقادات .
فلنعد إلى طريق السلف في بيان ما يسمى كفرا حقيقة ويترتب عليه احكام الكفر وما يسمى كفرا على سبيل التغليظ وكفر النعمة ، وملخصه أن ما اطلق عليه اسم الكفر كما سبق نوعان :
• كفر أكبر :
وهو مقابل الإيمان ويعني انتفاؤه انتفاء الإيمان ، وهو الموجب للخلود في النار ، وقد ذكرت أمثلة من إطلاقه سابقا ومنه ايضا قوله تعالى : {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (257) سورة البقرة
ويكون هذا الكفر بالاعتقاد او القول أإو العمل ، قال السبكي : "التَّكْفِيرُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ سَبَبُهُ جَحْدُ الرُّبُوبِيَّةِ أَوْ الْوَحْدَانِيَّةِ أَوْ الرِّسَالَةِ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ حَكَمَ الشَّارِعُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَحْدًا" (فتاوى السبكي ج 5 ص 51)
وقال البكري : "وحاصل الكلام على أنواع الردة أنها تنحصر في ثلاثة أقسام: اعتقادات وأفعال وأقوال، وكل قسم منها يتشعب شعبا كثيرة" . (إعانة الطالبين ج 4 ص 149)
ويمكن أن يحتويها التقسيم التالي الذي يتفرع عنه فروع كثيرة :
• نواقض توحيد الله تعالى في ربوبيته.
• نواقض توحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته.
• نواقض توحيد الله تعالى في ألوهيته.
• نواقض عموم الدين.
(الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة ج 1/ ص155)
(وراجع :نواقض الإسلام للشيخ عبد العزيز بن باز ، انواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي ، وراجع جيدا لأمثلة على ذلك : التكفير وضوابطه لإبراهيم الرحيلي ط/ دار الإمام البخاري قطر ص105 فما بعدها، و الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه ففيه امثلة كثيرة للاختيار مع بعض التحرز من بعضها)
وهو أنواع :
1- كفر التكذيب
2- كفر الجحود
3- كفر العناد
4- كفر الإعراض
5- كفر النفاق
6- كفر الشك
(راجع : العنبري ص33 ، الغلو في الدين عبد الرحمن اللويحق ص2333)
7- وأضيف إلى ذلك نوع كفر الاستحلال وقد ذكره السلف والعلماء وسيأتي مزيد بيان لمعناه وخطأ البعض من المتسرعين في مدلوله .
خطورة الانحراف عن هذا المنهج السلفي :
أسلفنا بيان ضلال البعض عن هذا المنهج القويم وما له من اثر في الخروج عن هدى السلف وطريق الصحابة الأبرار ، ونجمل هنا اهم ملامح منهج التكفير غير المنضبط وأصوله وخطورته .
أول من بدأ بهذه البدعة المنكرة هم الخوارج وتطور فكرهم الفاسد وتكون وتبلور وتمدد ، ةاندمجت فيه افكار شتى في كل عصر وجيل فانبثقت منه طرائق تختلف في بعض الجزئيات لكن يجمعها الضلل العام وهو التكفير بغير طريقة السلف .
وقد يهول البعض ان يقال عن الذين يكفرون المجتمعات الآن ويتبرأون من علماء الأمة ويدعون إلى التفجير أو سوء الظن بأهل الاعلم السلفيين لأنهم لا يوافقونهم على مبادئهم قد يهولهم ان يقال عن هؤلاء خوارج .
ولكن هذا هو الحق لأن الخوارج لم يقولوا اكثر مما قال هؤلاء .
منشأ الخوارج يدل على ذلك :
نشأ الخوارج على مبدأ ثم تطور ، وأصل المبدأ هو تكفير من لم يحكم بما أنزل الله بدون تقييد ذلك بما إذا كان مستحلا له او مجتهدا مخطئا ام غير ذلك . حين انطلق خارجهم معترضا على تحكيم علي بن ابي طالب معاوية للحكمين بينهما ، والحكمان هما الصحابيان الجليلان أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص .
قال قائل الخوارج : إن الحكم إلا لله . وهي آية كريمة لكن هذا الضال ما انتظر حتى يفهمها كما فهمها صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما راح يرددها على ظاهرها بدون فهم لمدلولها الذي فهمه الصحابة الكرام فكان هذا اول الخيط في تاريخ الضلال الفكري والعقدي الذي تمدد واتخذ أشكلال كثيرة ما زال المجتمع ؤالإسلامي يقاسي مفاسدها منذ عهد علي إلى هذا العصر الذي نعيشه .
وسبب ذلك هو التسرع في فهم ظاهر الآية بدون توقف على فهم الصحابة لها ، ولذلك كان من أهم حجج ابن عباس في مناظرتهم هو أنه ليس فيهم احد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم مع توافرهم في ذلك الوقت . لإشارة إلى خروجهم عن فهم الصحابة الكرام وعدم رضا الصحابة عن هذا الخروج .
وهكذا كل فهم منبثق من هذا التسرع في إلقاء الحكم على ظاهره فهو من سوء العمل ويجب أن يوصم بأنه خروج عن فهم الصحابة الذي ولله الحمد موجود في كتب العلماء نقلا عنهم ورواية عن تلاميذهم من التابعين وتابعيهم .
بدأ التكفير بتكفير الحاكم الذي لايحكم بما أنزل الله ، وإن لم يكن مستحلا لهذا الحكم ، وغن كان مجتها في ذلك مخطئأ .. وذلك نظرا لعموم الاية حسب فهمهم الضيق الذي لايستند إلى طرائق الصحابة في الفهم والذي يقضي أنها كفر دون كفر او كفر لا ينقل عن الملة كما سبق ان نقلنا .
ثم تمدد الكلام وتشدق - والضلال لا حد له يتوقف عنده - حتى تطرق إلى مرتكب الكبيرة فكفروا مرتكب الكبيرة إذا أصر عليها بدون توبة منها !!
قال أبو الفضل السكسكي : "وقالوا إن الإصرار على أي ذنب كان كفر ... وأن مرتكبي الكبائر مخلدون في النار معذبون بعذاب أهل النار" .
ثم خرجت المعتزلة تدعي أنها فرقة معتدلة لكنها سارت في نفس السياق وهو الحكم على مرتكب الكبيرة من المسلمين بالخلود في جهنم !! قال أبو الحسن الأشعري في بيان التقاء قولي الخوارج والمعتزلة : "أما الوعيد فقول المعتزلة فيه وقول الخوارج قول واحد لأنهم يقولون أن أهل الكبائر الذين يموتون على كبائرهم في النار خالدون فيها مخلدون غير أن الخوارج يقولون أن مرتكبي الكبائر ممن ينتحل الإسلام يعذبون عذاب الكافرين والمعتزلة يقولون أن عذابهم ليس كعذاب الكافرين".
(مقالات الإسلاميين ج 1 / ص 322)
وأدعك تسخر ما شئت من هذا التفصيل الذي لا قيمة له لأن مؤداه خلود مرتكبي الكبائر من المسلمين في النار وهذا مخالف لما عليه الصحابة والسلف وما دلت عليه النصوص المتوافرة المتواترة .
أنقل هذين النقلين ليعلم الناس ان الاختلاف بين أهل التكفير اختلاف شكلي ولكن جوهره هو إخراج المسلمين أو بعضهم عن الإسلام بدافع الهوى التسرع وعدم الإذعان لفهم السلف الذي هو العصمة من الزلل .
(ولعله يتبع إن شاء الله)